ابن خلكان
268
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
فقلت له : أمي فتاة ، فكأني نقصت من عينه ، فأمهلت حتى دخل سالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب ، رضي اللّه عنهم ، فلما خرج من عنده قلت : يا عم من هذا ؟ فقال : سبحان اللّه ، أتجهل مثل هذا من قومك ؟ هذا سالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب ، قلت : فمن أمه ؟ قال : فتاة ، قال : ثم أتاه القاسم ابن محمد بن أبي بكر الصديق ، رضي اللّه عنه ، فجلس عنده ثم نهض ، قلت : يا عم ، من هذا ؟ فقال : أتجهل من أهلك مثله ؟ ما أعجب هذا ، هذا القاسم ابن محمد بن أبي بكر الصديق ، قلت : فمن أمه ؟ قال : فتاة ، قال : فأمهلت شيئا حتى جاءه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي اللّه عنه ، فسلم عليه ثم نهض ، فقلت : يا عم ، من هذا ؟ قال : هذا الذي لا يسع مسلما أن يجهله ، هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي اللّه عنه ، فقلت : من أمه ؟ قال : فتاة ، فقلت : يا عم ، رأيتني نقصت في عينك لما علمت أن أمي فتاة « 1 » ، أفما لي في هؤلاء أسوة ؟ قال : فجللت في عينه جدا . وكان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم علي بن الحسن والقاسم بن محمد وسالم بن عبد اللّه ، ففاقوا أهل المدينة فقها وورعا ، فرغب الناس في السراري « 2 » . وكان زين العابدين كثير البر بأمه ، حتى قيل له : إنك أبرّ الناس بأمك ، ولسنا نراك تأكل معها في صحفة ، فقال : أخاف أن تسبق يدي إلى ما سبقت إليه عينها فأكون قد عققتها ، وهذا ضد قصة أبي المخشّ مع ابنه ، فإنه قال « 3 » : كانت لي ابنة تجلس معي على المائدة فتبرز كفّا كأنها طلعة في ذراع كأنه جمّارة فما تقع عينها على لقمة نفيسة إلا خصّتني بها ، فزوجتها ، فصار يجلس معي على المائدة ابن لي فيبرز كفّا كأنها كرنافة « 4 » في ذراع كأنه كربة ،
--> ( 1 ) لي : ما علمت أني لأم ولد . ( 2 ) زاد هنا في هامش المسودة : وذكر ابن قتيبة في كتاب المعارف أن زين العابدين يقال إن أمه سندية يقال لها سلافة ويقال غزالة واللّه أعلم بالصواب ، وهذا مكرر ، وسيأتي بعد سطور . ( 3 ) انظر هذه القصة في عيون الأخبار 3 : 219 . ( 4 ) الكرانيف : أصول الكرب تبقي في جذع النخلة بعد قطع السعف ، والكرب أصول السعف .